سهيلة عبد الباعث الترجمان

736

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

يرى موجودا إلّا اللّه ويكشف له عن محتده من جمال اللّه تعالى . وفي هذا المنظر يسمع العبد من اللّه آية فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ « 1 » وصاحب هذا يكون عنده علم توحيد الحق في سائر المخلوقات ، ترد عليه ملائكة الحقائق بأنواع التوحيد في هذا المقام ، فلا تزال تهديه إلى الحق حتى يترقى عنها وعن نفسه وعن علومه ، فيفنى عن جميع ذلك ثم يفنى عن الفناء ، ثم يبقى ببقاء اللّه ، فإذا صار باقيا باسم اللّه شمّ رائحة من الجلال فينتقل من منظر الجمال إلى منظر الجلال " « 2 » . ومقام البقاء المنشود عند الصوفي للتحقق بالكمال التام هو عبارة عن صفة إلهية يتصف بها العبد بعد فنائه عن نفسه ، فيقرر أن الفاني لمحجوب باللّه عن وجود نفسه ، ويرى ربه والناس في مقام البقاء على درجات ، فمنهم من هو مع اللّه بصفة أو صفتين ، ومنهم من هو معه بصفات كثيرة ، ومنهم من هو معه بأسماء المراتب ، ومنهم من هو معه بالجمال ، ومنهم من هو معه بالكمال ، ومن هنا فإن كمال العبد لا يكون إلّا بالتحقق بالكمالات الإلهية جميعها حيث يتبعها زوال الأحكام البشرية وآثارها المقيدة له ، فيكون حال العبد في مقام البقاء غيره في مقام الفناء ، فيعرف عندها حقيقة عبوديته أمام الحقيقة الربّية ، وذلك بما يبعثه اللّه فيه من نوره الذاتي ، فتنير له الحقيقة ويعرف أن سمعه غير سمع اللّه ، وبصره غير بصر اللّه ، وعلمه غير علمه ، فتتميز الصفات الخلقية عن الصفات الحقية ، ويعرف حدوده ، فتلحقه الكمالات بذات اللّه الحق ، ويلحق بالعبد ما هو منسوب له من كمال ونقص ، فيشهد عندها الحقيقة ، فيرى الحق حقا والباطل باطلا ، ويتمثل في ذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم " ألا كل شيء ما سوى اللّه باطل « 3 » " « 4 » وهكذا يعرف العبد بمعرفة غير تلك المعرفة في مقام الفناء التي عرف نفسه فيها بالعدم ، وصار يعرفها بالوجود المطلق ، وسبب ظهور الحق له فيها من

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 115 م . ( 2 ) الجيلي ، المناظر الإلهية ، ص 52 . ( 3 ) الحديث : حديث متفق عليه ، رواه البخاري / 6147 ومسلم / 1767 . ( 4 ) المصدر السابق ، ص 21 .